فصل: الحديث الثَّالِث بعد الْعشْرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث التَّاسِع عشر:

عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «دَعَتْنِى أُمِّي إِلَى قريبٍ لَهَا، فراودني فِي الْمهْر، فَقلت: إِن نكحتها فَهِيَ طالقٌ ثَلَاثًا، ثمَّ سَأَلت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: انْكحْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا طَلَاق قَبْل نِكَاح».
هَذَا الحَدِيث غريبٌ من هَذَا الْوَجْه.
وَهُوَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث زيد بن عَلّي عَن آبَائه: «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِن أُمِّي عَرَضَتْ عليَّ قرَابَة لَهَا أَتَزَوَّجُهَا، فَقلت: هى طالقٌ ثَلَاثًا إنْ تزوجْتُهَا؟، فَقَالَ النبى: هَل كَانَ قبل ذَلِك مِنْ مِلْكٍ؟، قَالَ: لَا. قَالَ: لَا بَأْس، تزوَّجْهَا».
وَفِيه أَيْضا من حَدِيث: عَلّي بن قرين- الْكذَّاب-، ثَنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَن ثَوْر بن يزِيد، عَن خَالِد بن معدان، عَن أَبَى ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ: «قَالَ عَمٌّ لي: اعملْ لي عملا حَتَّى أُزوِّجَكَ ابْنَتي، فَقلت: إنْ تزوجْتُهَا فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا، ثمَّ بَدَا لي أنْ أتزوَّجَهَا، فأتيتُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلته. فَقَالَ لي: تَزَوَّجْهَا فَإِنَّهُ لَا طَلَاق إِلَّا بعد نكاحٍ، فتزوجْتُهَا، فولدتْ لي سَعْدًا وسعيدًا».
وَفِيه أَيْضا من حَدِيث معَاذ بن جبل مَرْفُوعا: «لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح وإنْ سَمَّيْتَ المرأةَ بِعَيْنِهَا».
وَإِسْنَاده واهٍ.

.الحديث العشْرُونَ:

رُوي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الطَّلَاق بِالرِّجَالِ، وَالْعدة بِالنسَاء».
سُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: يرويهِ أَشْعَث بن سوار، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ عبد الله بن الأحلج، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ، عَن عبد الله بن عتبَة، عَن ابْن مَسْعُود كَذَلِك رَفعه وَخَالفهُ شعبةُ فَرَوَاهُ عَن أَشْعَث عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عبد الله قَالَ: السّنة فِي الطَّلَاق وَالْعدة بِالنسَاء. وَرَوَاهُ الْحسن بن صَالح، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ عَن عبد الله مثله، لم يذكر بَينهمَا أحدا.
قَالَ: وَيُشبه أَن يكون هَذَا من أَشْعَث، وَالله أعلم.
وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْريّ، وَابْن فُضَيْل وأسباط كلُّهم، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ عَن عبد الله، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ، عَن مَسْرُوق، عَن عبد الله مثل قَول شُعْبَة. هَذَا آخر مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله.
وَحَال «أَشْعَث» مَعْرُوف، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه مَوْقُوفا عَلَى ابْنِ مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ بعض مَنْ تَبَصَّرَ هَذِه الْمَسْأَلَة: رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا.
قلت: وَفِي علل أَحْمد: ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر غنْدر، ثَنَا همام، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن المسيَّب: «أَن عليًَّا قَالَ: السُّنَّة بِالنسَاء- يعْنى: الطَّلَاق-، وَالْعدة». قَالَ مُحَمَّد: قلت لهمام: مَا يرويهِ أحدٌ غَيْرك عَن سعيد؟، قَالَ: مَا أَشك فِيهِ وَمَا أَمْتَري.
وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن عليّ: أَنه قَالَ: «السُّنَّة بِالنسَاء- يَعْنِي: الطَّلَاق-، وَالْعدة». وَكَذَا حَكَاهُ فِي الاستذكار عَنهُ.. انْتَهَى.

.الحديث الحادى بعد الْعشْرين:

رُوي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفًا: «العَبْد يطلَّق تَطْلِيقَتَيْنِ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عُمر بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الأُمِّ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله لَكِن بِلَفْظ: «يَنْكِحُ العبدُ اثْنَتَيْنِ، ويطلِّق اثْنَتَيْنِ، وعدة الْأمة حيضتين، فَإِن لم تحضْ فشهرين».
وَالْمَاوَرْدِيّ أخرجه من حَدِيث عَطِيَّة عَنهُ مَرْفُوعا: «يطلِّق العَبْد تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتعْتَد الأَمة حيضتين». ثمَّ قَالَ: وَهَذَا أثبت من حَدِيث عَائِشَة، لِأَن فِي حَدِيث مظَاهر- يَعْنِي: الَّذِي. فِي إِسْنَاد حَدِيثهَا- من الالتواء.
قلت: وَالْآخر قد قيل: إِنَّه مُنْقَطع، وَمن الْعجب أَن الْغَزالِيّ فِي بسيطه تبعا للْإِمَام قَالَ: وَقد صَحَّ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «تَعْتَد الأَمَةُ بحيضتين».
قلت: وَقد رُوي من حَدِيث ابْن عُمر مَرْفُوعا بلفظٍ آخر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ بإسنادهم إِلَيْهِ: أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «طَلَاق الأَمة اثْنَتَانِ، وعدتها حيضتان».
وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا بِسَبَب عُمر بن شبيب الْكُوفِي الواهي، وعَطِيَّة الْعَوْفِيّ الواهي أَيْضا، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث مُنكر غير ثَابت، من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن عَطِيَّة ضَعِيف، وَسَالم وَنَافِع أثبت مِنْهُ وَأَصَح رِوَايَة، وَالْوَجْه الآخر: أَن عمر بن شبيب ضَعِيف، لَا يحْتَج بروايته.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ عُمَرُ بْنُ شبيب مَرْفُوعا، وَكَانَ ضَعِيفا، وَالصَّحِيح: مَا رَوَاهُ سَالم وَنَافِع، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَنه قَالَ: «إِذا طلَّق العبدُ امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ: فقد حَرُمَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تنْكح زوجا غَيره، حُرَّةً كَانَت أَو أَمَة، وعدة الْحرَّة ثلاثُ حِيَض، وعدة الْأمة حيضتان».
هَكَذَا رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأ.
قلت: وَحَدِيث عَائِشَة السالف فِي كَلَام الْمَاوَرْدِيّ: أخرجه أَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مظَاهر بن أسلم، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِلَفْظ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين أَولا، وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: «طَلَاق العَبْد اثْنَتَانِ».
قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث مَجْهُول، وَكَذَا نقل ابْن الْأَعرَابِي عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ: إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مظَاهر بن أسلم، وَمظَاهر: لَا نَعْرِف لَهُ فِي الْعلم غَيْرَ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ الْعقيلِيّ: هَذَا حَدِيث لَا يُحفظ إِلَّا عَن مظَاهر، وَقَالَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل: لَيْسَ بِالْبَصْرَةِ حَدِيث أنكر من هَذَا، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مظَاهر بن أسلم، وَهُوَ رجل مَجْهُول، يُعْرف بِهَذَا الحَدِيث، وَالصَّحِيح عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد: «أَنه سُئِلَ عَن عدَّة الأَمة، فَقَالَ: النَّاس يَقُولُونَ: حيضتان».
وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ عبد الْحق: ذُكر عَن ابْن الْقَاسِم أَنه قيل لَهُ: أَبَلَغَكَ من هَذَا عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء؟، قَالَ: لَا. وَنَقله الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه أَيْضا، وَقَالَ الْمزي فِي أَطْرَافه: رفْعه غير مَحْفُوظ.
قلت: وَأما الْحَاكِم فَرَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ قَالَ «مظَاهر بن أسلم»: شيخ من أهل الْبَصْرَة، لم يذكرهُ أحدٌ مِنْ مُتَقَدِّمي مَشَايِخنَا بِجرح فَإِذا الحَدِيث. صَحِيح وَلم يخرجَاهُ.
قلت: عجيبٌ مِنْهُ، فقد ضعفه أَبُو حَاتِم، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. مَعَ أَنه لَا يُعْرف، ووَهَِمَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَعَزاهُ إِلَى يَحْيَى بن سعيد، فاجْتَنِبْهُ، وَقَالَ فِيهِ الرزاي: مُنكر الحَدِيث. فَأَما ابْن حبَان: فَذكره فِي الثِّقَات من أَتبَاع التَّابِعين، رَوَى عَنهُ: ابْنُ جريج والثوريُّ وعاصمُ النَّبِيل.

.الحديث الثَّانِي والْعشْرُونَ:

«أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد أَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي طلقت امْرَأَتي سهيمة الْبَتَّةَ، وواللَّهِ مَا أردتُ إِلَّا وَاحِدَة؟، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟ فَقَالَ: واللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؛ فردَّها عَلَيْهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ.
رَوَاهُ الشَّافِعِي من رِوَايَة عبد الله بن عليّ بن السَّائِب، عَن نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلَّق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ، ثمَّ أَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي طلقتُ امْرَأَتي سهمية الْبَتَّةَ؛ وواللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لركانة: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟ فَقَالَ ركَانَة: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة، فردَّها إِلَيْهِ، وَطَلقهَا الثانيةَ فِي زمن عمر، وَالثَّالِثَة فِي زمن عُثْمَان.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الله بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: «أتيتُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فقلتُ: يَا رَسُول الله إِنِّي طلقت امْرَأَتي الْبَتَّةَ، فَقَالَ: مَا أردتَ بهَا؟ قلت: وَاحِدَة، قَالَ: واللَّهِ؟، قلت: واللًَّهِ، قَالَ: فَهُوَ مَا أردتَ».
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد بن ركَانَة «أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ فَأخْبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك وَقَالَ: واللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟ فَقَالَ ركَانَة: واللَّهِ مَا أردتُ إِلَّا وَاحِدَة، فردَّها إِلَيْهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَطلقهَا الثَّانِيَة فِي زمَان عمر، وَالثَّالِثَة فِي زمَان عُثْمَان».
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَنه طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَأَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مَا أردتَ؟ قَالَ: وَاحِدَة. قَالَ: اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: هُوَ عَلَى مَا أردتَ».
قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن جريج: «أَن ركَانَة طلق امْرَأَته ثَلَاثًا»؛ لأَنهم أهل بَيته وهُمْ أعلم بِهِ، وَحَدِيث ابْن جريج رَوَاهُ عَن بعض بني أبي رَافع، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَنه طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَأَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أردْت بهَا؟، قَالَ: وَاحِدَة. قَالَ: آللَّهِ مَا أردتَ بهَا إِلَّا وَاحِدَة. قَالَ: اللَّهِ مَا أردتُ بهَا إِلَّا وَاحِدَة. قَالَ: فردَّها عَلَيْهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث صَحِيح.
وَقَالَ ابْن مَاجَه فِي سنَنه: سمعتُ أَبَا الْحسن عَلّي بن مُحَمَّد الطنافسي يَقُول: مَا أشرف هَذَا الحَدِيث!.
وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، كَمَا سَاقه أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته الثَّانِيَة.
وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَمَا سَاقه ابْنُ حبَان سندًا ومتنًا، ثمَّ قَالَ: قد انحرف الشَّيْخَانِ- يَعْنِي: البخاريَّ وَمُسلمًا- عنِ الزبير بن سعيد الْهَاشِمِي- يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده-، غير أَن لهَذَا الحَدِيث مُتَابَعًا من بنت رُكانة بن عبد يزِيد المطلبي، فَيصح بِهِ الحَدِيث، ثمَّ رَوَاهُ عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن عَمه مُحَمَّد بن عَلّي بن شَافِع، عَن نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد «أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلَّق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ».
ثمَّ سَاقه بِلَفْظ أبي دَاوُد فِي الرِّوَايَة الأولَى، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: قد صَحَّ الحَدِيث بِهَذِهِ الرِّوَايَة، فَإِن الإِمَام الشَّافِعِي قد أتقنه وَحفظه عَن أهل بَيته، والسائب بن عَبْد يزِيد أَب الشافع بن السَّائِب وَهُوَ أَخ ركَانَة بن عبد يزِيد وَمُحَمّد بن عَلّي بن شَافِع عَم الشَّافِعِي: شيخُ قُرَيْش فِي عصره.
وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث بِلَفْظ أبي دَاوُد الثَّانِي، ثمَّ قَالَ: رُوَاة هَذَا الحَدِيث عَن آخِرهم قرشيون، وَأما التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسَأَلت مُحَمَّدًا- يَعْنِي: البخاريَّ- عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِنَّه مُضْطَرب؛ حَيْثُ رُوي تَارَة أَنه طَلقهَا ثَلَاثًا، وَتارَة وَاحِدَة، وَتارَة الْبَتَّةَ وَهُوَ أصحُّها، والثلاثُ ذكرت فِيهِ عَلَى الْمَعْنى، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد كَمَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه، وَعلله: حَدِيث ركَانَة لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: طرقه ضَعِيفَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه: فِي تَصْحِيح أبي دَاوُد لهَذَا الحَدِيث نَظَرٌ؛ فقد ضعفه الإِمَام أَحْمد، وَهُوَ مُضْطَرب إِسْنَادًا ومتنًا؛ لِأَن فِي إِسْنَاده الزبير بن سعيد الْهَاشِمِي الْمدنِي: وَقد ضعفه غيرُ واحدٍ. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ مَرَّةً: ضَعِيف. وَكَذَلِكَ قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ وزَكَرِيا السَّاجِي وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ يَحْيَى مَرَّةً: ثِقَة. وَقَالَ الْعقيلِيّ الْحَافِظ: هَذَا حَدِيث لَا يُتابع عَلَيْهِ وَلَا يُعرف إِلَّا بِهِ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة: إِسْنَاده مُضْطَرب وَلَا يُتابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: إِسْنَاده مُخْتَلف فِيهِ. وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه: فِي إِسْنَاده عبد الله بن عَلّي بن السَّائِب، عَن نَافِع بن عجير، عَن ركَانَة، وَالزبير بن سعيد، عَن عبد الله بن عَلّي بن عَبْد يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: وَكلهمْ ضَعِيف، الزبير أَضْعَفُهُمْ.
قَالَ البُخَارِيّ: عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه: لم يَصح حَدِيثه، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده: هَذَا الحَدِيث ضعَّفوه.
قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي أَوَاخِر كتاب التَّفْسِير مِنْهُ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس: قَالَ: طلق عبد يزِيد أَبُو ركَانَة أم ركَانَة ثمَّ نكح امْرَأَة من مزينة فَجَاءَت إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت: يَا رَسُول الله: مَا تغني عني هَذِه الشعرة، لشعرةٍ أَخَذتهَا من رَأسهَا، فَأخذ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حَمِيَّةٌ عِنْد ذَلِك، فَدَعَا ركَانَة وإخوتَه، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَبْدِ يزِيد: طلِّقْها، فَفعل، فَقَالَ لأبي ركَانَة:
ارتجِعْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِنِّي طَلقتهَا، قَالَ: قد علمتُ ذَلِك، فارتجِعْهَا، فَنزلت يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن.
ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح.
قلت: فِيهِ نظر، لأجْل مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع الواهي، قَالَ الذَّهَبِيّ: فَالْخَبَر خطأ، عَبْدُ يزِيد لم يدْرك الْإِسْلَام.
قلت: وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا عَلَى نمطٍ آخر، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث: ابْن إِسْحَاق، ثَنَا دَاوُد بن الْحصين، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «طلق ركانةُ بْنُ عبد يزِيد امْرَأَته ثَلَاثًا فِي مجْلِس وَاحِد، فَحزن عَلَيْهَا حزنا شَدِيدا، فَسَأَلَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيفَ طلقْتَها؟ قَالَ: طلقتُهَا ثَلَاثًا. قَالَ: فِي مجلسٍ واحدٍ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَة؛ فارتجِعْهَا إِن شئتَ، فرجعها».
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، ابْن إِسْحَاق مَجْرُوح، وَدَاوُد أشدُّ مِنْهُ ضعفا، قَالَ: والْحَدِيث الأوَّل أقرب، وَكَأن هَذَا من غلط الروَاة.
فَائِدَة: رُكَانة بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة، وبالنون بعد الإلِف، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْوَقار بِمَعْنى السَّكِيْنَة، يُقَال مِنْهُ رُكن- بِالضَّمِّ- ركَانَة فَهُوَ ركينٌ، وركَانَة هَذَا هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي الْحِجَازِي، ثمَّ الْمَكِّيّ، ثمَّ الْمدنِي، الصَّحَابِيّ، وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف، وبالنون، وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره... هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ، وَابْن أَبَى حَاتِم وغيرُهما، أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح، وَكَانَ من أَشد النَّاس، وَهُوَ الَّذِي صارعه النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَصَرَعَهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، تُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين، وَقيل: تُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان.
فَائِدَة ثَانِيَة: اخْتُلِف فِي اسْم امْرَأَة ركَانَة، فروَى الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة: أَن اسْمهَا هشيمة، ثمَّ قَالَ: وَالْأَشْهر سهيمة، قَالَ: وَقيل سهيمة، وسفيحة، وَفَى ابْن الْأَثِير: الْجَزْم بِأَنَّهَا سهيمة المزنية... انْتَهَى. زَاد غَيره: وَقيل: بنت عُمَيْر.

.الحديث الثَّالِث بعد الْعشْرين:

أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ طلَّقَ أَو أعْتَقَ وَاسْتَثْنَى فَلهُ ثنياه».
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده كَذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي نهايته: رَوَى أَبُو الْوَلِيد فِي مجرده عَن معدي كرب مَرْفُوعا فَذكره، وَهَذَا قد رَوَاهُ من الطَّرِيق الْمَذْكُور بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب معرفَة الصَّحَابَة إِلَّا أَنه قَالَ ثُمَّ بدل الْوَاو.
وَفَى كَامِل ابْن عدي وسنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق- إِن شَاءَ الله-، أَو غُلَامه: أَنْت حُرٌّ- إِن شَاءَ الله-، أَو عَلَيْهِ الْمَشْي إِلَى بَيت الله- إِن شَاءَ الله- فَلَا شَيْء عَلَيْهِ».
وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، ثمَّ قَالَ ابْن عدي: هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده مُنكر، لَا يرويهِ إِلَّا إسحاقُ بن أبي يَحْيَى الكعبي، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِمثلِهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، لَا يرويهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا إِسْحَاق بن أبي يَحْيَى، وَقَالَ فِي تَحْقِيقه: لَا يروي هَذَا الحَدِيث إِلَّا إسحاقُ هَذَا. وَقَالَ فِيهِ ابْن عدي: إِنَّه حدَّث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار، زَاد فِي كِتَابه الضُّعَفَاء عَن الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف الحَدِيث.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن الْجَارُود بن يزِيد، عَن بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا فِي الطَّلَاق وَحده، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف.
وَفِي حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا حلف الرجلُ فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى».
وَفَى رِوَايَة: «مَنْ حلف عَلَى يمينٍ فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ فعل، وَإِن شَاءَ لم يفعل».
قلت: وَحَدِيث ابْن عمر هَذَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَصَححهُ ابْن حبَان، وسيأتى وَاضحا فِي كتاب: الْأَيْمَان- إِن شَاءَ الله وَقدره-.

.الحديث الرَّابِع بعد الْعشْرين:

قَالَ الرَّافِعِيّ: الِاسْتِثْنَاء مَعْهُود، وَفَى الْقُرْآن وَالسّنة مَوْجُود.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ كثير فِي السّنة، كَحَدِيث: «لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب». وغَيرِه.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَثِيرًا مَا وَقع فِي كَلَام رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كرر اللفظَ الواحِدَ.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَمن ذَلِك: الحَدِيث السالف: «أَيُّمَا امْرَأَة نكحتْ نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا، فنكاحها بَاطِل- وكرَّرَ ذَلِك ثَلَاثًا».
وَمِنْهَا: «أَنه إِذا تكلَّم بكلمةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، وَإِذا سلَّم سَلَّمَ ثَلَاثًا».
أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أنس.
وَمِنْهَا: أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «واللَّهِ لأغزونَّ قُريْشًا- ثَلَاثًا» وَسَيَأْتِي فِي: الْأَيْمَان.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن مَسْعُود: «كَانَ- عَلَيْهِ السَّلَام- إِذا دَعَا: دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا».
وَفَى مُسْند أَحْمد وصَحِيح ابْن حبَان عَنهُ: «كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُعجبهُ أَن يَدْعُو ثَلَاثًا، ويستغفر ثَلَاثًا».

.الحديث الخَامِس بعد الْعشْرين:

«أَن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أُعطي جناحين يطير بهما».
هَذَا صَحِيح، فَفِي البُخَارِيّ عَن الشّعبِيّ: «أَن ابْن عمر كَانَ إِذا سلَّم عَلَى ابْنِ جَعْفَر قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا ابْنَ ذِي الجناحين».
جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غير البُخَارِيّ: «أَنه قُطِعَتْ يَدَاهُ فى غَزْوَة مُؤْتَة، فَجعل الله لَهُ جناحين يطير بهما».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس.
وَفِيه- أَعنِي: مُسْتَدْرك الْحَاكِم- وصَحِيح ابْن حبَان وجَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «رأيتُ جعفرًا يطير فِي الْجنَّة مَعَ الْمَلَائِكَة».
هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ.
وَلَفظ الْحَاكِم وَابْن حبَان: «رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب مَلَكًا يطير مَعَ الْمَلَائِكَة».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح.
قلت: لَا، بل واهٍ؛ فَإِن فِي إِسْنَاد الْحَاكِم: الْمَدِينِيّ، وَهُوَ واهٍ.
وَفِيه أَيْضا- أَعنِي: الْمُسْتَدْرك- من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «لمَّا أَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَتْلُ جَعْفَر: دَاخله من ذَلِك، فَأَتَاهُ جبريلُ فَقَالَ: إِن الله جعل لجعفرٍ جناحين مسرَّجين بِالدَّمِ؛ يطيرُ بهما مَعَ الْمَلَائِكَة».
قَالَ الْحَاكِم: لَهُ طرق عَن الْبَراء، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك: طرقه كلهَا ضَعِيفَة عَن الْبَراء.
وَفِيه أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «دخلتُ الجنةَ فَإِذا جَعْفَر يطير مَعَ الْمَلَائِكَة».
صَححهُ أَيْضا، وَلَا يَصح، فَفِي إِسْنَاده «سَلمَة بن وهرام»: وَقد ضَعَّفُوهُ.
قلت: ورُوي أَيْضا من حَدِيث عليّ بن أبي طَالب- كرَّم الله وَجهه-، وَهُوَ واهٍ، قَالَ ابْن عدي: هُوَ بَاطِل عَن الثَّوْريّ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عليّ بن عَلّي الْهِلَالِي، عَن أَبِيه ومن حَدِيث أبي الْيُسْر: أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «رَأَيْت جعفرًا ذَا جناحين مضرجًا بالدماء، وَزيد مُقَابِله، وَابْن رَوَاحَة مَعَهم كَأَنَّهُ معرض عَنْهُم، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَن ذَلِك: إِن جعفرًا حِين تقدم، فَرَأَى الْقَتْلَى لم يصرف وَجهه، وَزيد كَذَلِك، وَابْن رَوَاحَة صرف وَجهه».

.الحديث السَّادِس بعد الْعشْرين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم».
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا في: الْبيُوع، وَكَذَا حَدِيث: «صُومُوا لرُؤْيَته».
سلف فِي: الصَّوْم.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب- بِحَمْد الله ومنِّه-.

.وَأما آثاره:

فستة عشر:

.أَحدهَا:

«أَن رجلا عَلَى عهد عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُكِ عَلَى غاربك، فَلَقِيَهُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ: أنْشدك الله وبهذه البنية هَل أردْت بِقَوْلِك حبلك عَلَى غاربك الطَّلَاق. فَقَالَ الرجل: أردْت الْفِرَاق؟، فَقَالَ: هُوَ مَا أردتَ».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ: أَنه بلغه «أَنه كُتِبَ إِلَى عمر بن الْخطاب من الْعرَاق: أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُك عَلَى غاربك، فَكتب عَمرُ إِلَى عَامله: أَن مُرْهُ فليوافيني فِي الْمَوْسِم، فَبَيْنَمَا عمرُ بن الْخطاب يطوف بِالْبَيْتِ إذْ لقِيه الرجلُ فسلَّم عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْت.؟، قَالَ: أَنا الذي أَمَرْتَ أَن يجلب عَلَيْك. قَالَ: أُنْشِدُكَ بربِّ هَذِه البِنْيَة؛ هَل أردْت بِقَوْلِك حبلك عَلَى غاربك الطلاقَ؟، فَقَالَ الرجل: لَو اسْتَحْلَفْتِنَي فِي غير هَذَا الْمَكَان مَا صَدَقْتُكَ؛ أردتُ الفراقَ، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هُوَ مَا أردتَ».
وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ: إِنَّه قَالَ لامْرَأَته: حبْلك عَلَى غاربك، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وافِ مَعنا الْمَوْسِم، فَأَتَاهُ الرجلُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ: أَتَرَى ذَلِك الأصلع يطوف بِالْبَيْتِ، اذهبْ إِلَيْهِ، فَسَلْهُ ثمَّ ارجعْ فَأَخْبرنِي بِمَا رَجَعَ إِلَيْك، قَالَ: فذهبتُ إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، فَقَالَ: مَنْ بَعثك إليَّ؟، فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: إِنَّه قَالَ لامْرَأَته: حبْلُك عَلَى غاربك، فَقَالَ: اسْتَقْبِلِِ الْبَيْت واحلف بِاللَّه مَا أردتَ طَلَاقا، فَقَالَ الرجل: وَأَنا أَحْلف باللَّه مَا أردتُ إِلَّا الطَّلَاق؟ فَقَالَ: بَانَتْ مِنْك امْرَأَتك».
وَفَى رِوَايَة لَهُ أَيْضا: من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور، نَا هشيم، أَنا مَنْصُور، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: «أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته: حبلك عَلَى غاربك- قَالَ ذَلِك مرَارًا- فَأَتَى عُمرَ بْنَ الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، فاستحلفه بَين الرُّكْن وَالْمقَام مَا الذي أردتَ بِقَوْلِك؟، قَالَ: أردتُ الطلاقَ؛ ففرَّق بَينهمَا».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا استحلفه عَلَى إِرَادَة التَّأْكِيد بالتكرير دون الِاسْتِئْنَاف، وَكَأَنَّهُ أقرَّ فَقَالَ: أردتُ بِكُل مَرَّةٍ إِحْدَاث طلاقٍ ففرَّق بَينهمَا.
قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: وَذكر ابْن جريج، عَن عَطاء: «أَن عمر بن الْخطاب رُفِعَ إِلَيْهِ رجلٌ قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُك عَلَى غاربك، فَقَالَ لعليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: انْظُرْ بَينهمَا» فَذكر مَعْنَى مَا روينَا، إِلَّا أَنه قَالَ: «فأمضاه عليٌّ ثَلَاثًا».
قَالَ: وذُكِرَ عَن سعيد، عَن قَتَادَة، عَن الْحسن عَن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، مِثْلَهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا لَا يُخَالف رِوَايَة مَالك، وَكَأن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جعلهَا وَاحِدَة كَمَا قَالَ فِي الْبَتَّةَ، وعليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جعلهَا ثَلَاثًا، وَيحْتَمل أَنَّهُمَا جعلاه ثَلَاثًا لتكريره اللَّفْظ- فِي الْمَدْخُول بهَا- ثَلَاثًا، وإرادته بِكُل مرّة إِحْدَاث طلاقٍ، كَمَا قُلْنَا فِي رِوَايَة مَنْصُور عَن عَطاء.

.الْأَثر الثَّانِي:

«أَن رجلا أَتَى ابْنَ عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ: إِنِّي جعلتُ امْرَأَتي عليَّ حَرَامًا؟، قَالَ: كذبتَ؛ لَيست عليكَ بحرامٍ، ثمَّ تلى: يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك الْآيَة».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ، وَزَاد فِي آخِره: «عَلَيْك أَغْلَظُ الْكَفَّارَة: عِتْقُ رَقَبَة».

.الْأَثر الثَّالِث إِلَى الْعَاشِر:

قَالَ الرَّافِعِيّ: اخْتلفت الصَّحَابَة فِي لفظ الْحَرَام، فَذهب أَبُو بكر، وَعَائِشَة إِلَى: أَنه يَمِين، وكفارته كَفَّارَة يَمِين.
وَذهب عمر إِلَى أَنه صَرِيح فِي طَلْقَة رَجْعِيَّة وَعُثْمَان إِلَى أَنه ظِهَار وَعلي إِلَى أَنه صَرِيح فِي الطلقات الثَّلَاث وَبِه قَالَ زيدٌ وَأَبُو هُرَيْرَة، وَذهب ابْن مَسْعُود إِلَى: أَنه لَيْسَ بِيَمِين، وَفِيه كَفَّارَة يَمِين.
وَهَذِه الْآثَار ذكرهَا البيهقيُّ فِي سنَنه.
مِنْهَا: أثر عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ورُوي عَن ابْن مَسْعُود: أَنه قَالَ فِيهِ: «إِن نَوى يَمِينا فيمينٌ، وَإِن نَوى طَلَاقا فطلاقٌ، وَهُوَ مَا نَوى من ذَلِك».
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ: «نِيَّته فِي الْحَرَام مَا نَوى، إِن لم يكن نَوى طَلَاقا فَهِيَ يمينٌ».
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ عَنهُ: «إِن نَوى طَلَاقا فَهِيَ تَطْلِيقَة وَاحِدَة، وَهُوَ أملك بالرجعة، وَإِن لم يَنْوِ طَلَاقا فيمينٌ يُكَفِّرُهَا».
وَهَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث مُخَالفَة لما نَقله الرَّافِعِيّ عَنهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: واختلفتِ الروايةُ عَن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي ذَلِك، فَرُوي عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ «هُوَ يَمِين يكفرهَا».
ورُوي عَنهُ: «أَنه أَتَاهُ رجل قد طلق امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَالَ: أنْتِ عليَّ حرَام، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لَا أَرُدُّهَا إِلَيْك».
قَالَ: وروينا عَن عليّ وزيدٍ بن ثَابت: «أَن فِي البَرِيَّة والبتة وَالْحرَام أَنَّهَا ثلاثٌ ثلاثٌ».
قَالَ: وَرَوَى مطرف عَن عَامر- هُوَ: الشّعبِيّ-: «فى الرجل يَجْعَل امْرَأَته عَلَيْهِ حَرَامًا، قَالَ: يَقُولُونَ: إِن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جعلهَا ثَلَاثًا قَالَ عَامر: مَا قَالَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه هَذَا إِنَّمَا قَالَ: لَا أُحِلُّهَا وَلَا أُحرِّمُهَا».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالرِّوَايَة الْمَاضِيَة عَن عَلّي: «أَنَّهَا ثَلَاث إِذا نَوى». إِلَّا أَنَّهَا رِوَايَة ضَعِيفَة.